اتصل بنا
المولد النبوي الشريف - الليلة السابعة ورد الأسبوع: اللهم صل على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم

التعريف بالشيخ

التعريف بفضيلة الشيخ محمد عيد يعقوب الحسيني

بسم الله الرحمن الرحيم ..

الحمد لله القائل في كتابه العزيز : ( مِنَ المؤمنين رجالٌ صَدَقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم مَنْ قضى نَحْبه ومنهم مَنْ ينتظر وما بدّلوا تبديلاً ) .
والصلاة والسلام على تاج الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد ، وعلى آله الطاهرين ، وأصحابه الغُرّ الميامين ، ومَنِ اقتفى أثرهم واهتدى بهديهم إلى يوم الدين ..
وبعدُ ..

إنَّ الله تعالى جعل الإسلام خاتم الأديان ، وجعل أتباعه المسلمين الصادقين منصورين إلى يوم القيامة أينما حلّوا وأينما وُجِدوا ، وكلّل أعمالهم بالعناية والتوفيق ، وجعلهم نوراً للقلوب والمجتمعات ، يهدي بهم مَنْ يريد الهداية ، ومَن يريد شاطئ السلام .
فسيدنا الشيخ محمد عيد عبد الله يعقوب الحسيني الشافعي المذهب ، الأشعري العقيدة ، النقشبندي الطريقة ، هو عَلَم مِن أعلام الإسلام ، وسيّد مِن علماء الشريعة والحقيقة ، أخلص لله تعالى ورضع من آداب القرآن والسنة النبوية ، فكان عبداً حقيقياً لله تعالى ، وقرآناً ناطقاً تتلألأ فيه المعرفة الإلهية التي لا يغيب إشراقها ، ولا يُحصر بهاؤها عن مبصِر .
هو سليل آل بيت النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم مِنَ الطرفين ، فأبوه حسيني وأمه حسنية .
ولد في صبيحة يوم الأربعاء العاشر من ذي الحجة سنة 1354هـ ، الموافق الرابع من آذار( مارس ) سنة 1936م ، والناس يكبّرون لصلاة عيد الأضحى المبارك ؛ فسُمِّي لذلك عيداً ، وسمي بمحمد تبركاً بالنبي صلى الله عليه وسلم .
مسقط رأسه هي حارة الجامع الأحمر من بلدة صفد شمال فلسطين ، حيث هناك نشأ النشأة الإسلامية بين أبوين صالحين وجدة تقية ، كانوا يحبونه حباً جماً ويعتنون به اعتناء كبيراً؛ لما يرون على وجهه من النور والخير من حين ولادته . حتى بلغ السادسة من عمره فالتحق بمدرسة الجامع الأحمر ومكث بها فترة ، ثم انتقل أهله للعيش في حي الرجوم وهناك التحق بالمدرسة الثانوية .
ومع بداية الحوادث بين العرب واليهود في نهاية عام 1947م انتقل الشيخ مع عائلته إلى دمشق مروراً بلبنان ، وهناك وجد نفسه مجذوبة نحو الآخرة ، فلازم الجامع الأموي وبدأت رحلته العلمية وهو في سن الثانية عشر ، فتتلمذ وتفقّه على أيدي كبار مشايخ وعلماء دمشق الذين كانوا يتسابقون نحو تربيته ، نذكر منهم : الشيخ عبد الحكيم المنيّر ، والشيخ صالح العقاد ، والشيخ حمدي السفرجلاني ، والشيخ أحمد قويدر العربيني ، والشيخ محمد فايز . فنهل العلم من أهله وطبّقه على نفسه ، حتى كان بعدها في سلوكه فريداً ، وفي جهاده وحيداً .
كانت مدرسته تُعرف بالمدرسة الأخنائية ، وهي تقع في حي الكلاسة شمال الجامع الأموي .
وكان يشغل كل وقته في قراءة فنون الشريعة وآلاتها : مِن قرآن ، وحديث ، وفقه ، وأصول ، وتفسير ، ووعظ وإرشاد ، وتوحيد ، ومنطق ، ونحو ، وصرف ، وبلاغة ، وعلم نفس ، وفلسفة ... إلى غير ذلك . فإذا جَنَّ الليل وقف بين يدي ربه تبارك وتعالى قائلاً : ( إيّاك نعبد وإيّاك نستعين ) .
وقد أجازه الشيخ إبراهيم الغلاييني بالطريقة النقشبندية ، كما أجازه بالطرق الأخرى : كالقادرية ، والجستية ، والكبروية، والسهروردية ، والشيشية.
كان الشيخ منذ نعومة أظفاره مداركاً بالعناية الربانية ، ومحفوظاً من الوقوع في المعاصي وفي الأمور التي تخالف الشريعة قبل التكليف وبعده .
وكان مقدماً عند جميع قرنائه وأصدقائه لرجاحة عقله وشجاعة رأيه ، وقوة ذراعه وشهامته ومروءته ، فكانوا يرجعون إليه دائماً في كل أمورهم حتى مَنْ هو أكبر منه  سناً ، وكانت تُحَلّ بعون الله وبحكمة .
وحين بدأ طريقه في طلب العلم بدأه متوكلاً على الله سبحانه ، واضعاً نصب عينيه هاتين العبارتين : ( مَن لم تكن له بداية محرقة لم تكن له نهاية مشرقة ) ، وكذلك : ( الوقت سيف قاطع إنْ لم تقطعه قطعك ) .
وعلى هذا سلك ، فانقطع عن أهله وترك الدنيا وراء ظهره ، وتجرّد كاملاً لله سبحانه وتعالى ، وانطلق في مجاهدة نفسه وإذلالها وترويضها ، وساح في الجبال والوديان والبراري قاطعاً المسافات الطويلة على قدميه ، متحمّلاً الصعاب الكثيرة ، ومتجاوزاً العقبات الشديدة ، حتى سلك مرحلة ما استطاع غيره أن يسلكها بأربعين عاماً في مجال السلوك والمراقبة ، ووصل في حياة مشايخه إلى درجات رفيعة تجاوزت مراتبهم العلية ، شهدوا له بها وأجازوه بتدريس العلوم الشرعية وتربية المريدين .
ومع هذا كله لم يترك شيخه ساعة ، ولا باستشارة ، ولا بطلب دعاء ، ولا بحُكمِ أمرٍ صغير ولا كبير ، بل كان يرجع إليه في كل أموره ، ويشاوره في كل أحواله ، وكان بين يديه كالعجين بين يدي العجّان ، وكالميت بين يدي المغسِّل ، لا إرادة له ولا كيان . كان المريد الذي يقبّل الأقدام ، ويجلس على الباب وعند النعال ، ويقول : لو متُّ وحَيِيتُ ثم متُّ وحَيِيتُ ألف مرة لبقيت محتاجاً إلى قدم شيخي لألثمه وأتبرك به .
ثم انطلق مبلغاً للدعوة ، فكان يمر على القرى المحيطة بدمشق سيراً على الأقدام ليلاً ونهاراً ، سراً وجهراً ، واضعاً روحه على كفه لا يخشى في الله لومة لائم . وكان يجمع الناس من أماكن اللهو إلى المسجد ، فيقف في الأسواق وعلى أبواب السينما والنوادي والمقاهي يأمر بالمعروف وينهى عن  المنكر ، وقد هدى الله به عدداً كبيراً صاروا مريدين له بعد ذلك .
ثم تولّى الإمامة والخطابة في المساجد ، فاستلم إمامة جامع غل الحليب أولاً ، ثم جامع النحاسين ، ثم استلم جامع المعلق ستة عشر عاماً . كما استلم الخطابة في عدة جوامع منها : جامع الطاووسية في الصالحية ، وجامع الثريا في الميدان ، وجامع الرفاعي بالجزماتية في حي الميدان ، وجامع سوق الهال .... وغيرها . وكانوا يأتونه مِنْ كل المستويات ومِن أماكن قريبة وبعيدة ليسمعوا خطبه المؤثرة والتي كانت تُنقل بالبث المباشر ، بالإضافة إلى أحاديثه الصباحية في الإذاعة . واستطاع بعون الله تعالى إنشاء جيل مؤمن كان ولا يزال له دوره الديني والاجتماعي .

وفي أثناء ذلك تعرّض لأنواع كثيرة من الإغراءات والابتلاءات والفتن ، فصبر وتولّته يد العناية الإلهية . 
علماً بأنَّ الشيخ كذلك قد شارك في مجمع البحوث الإسلامية في القاهرة كعضو من أعضائه لفترة ، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على نشاطه في مجال تبليغ الدعوة في شتى المجالات .
ثم كان تشريفه إلى دبي عام 1973م ، وهناك بدأ مرحلة جديدة تمّم فيه طريقه الذي بدأه في دمشق لإيجاد حياة إسلامية طيبة ، ولتنشئة جيل يسير على درب الصحابة ، مجنّداً جميع وقته وماله ونفسه لذلك .
فقد عاصر مجتمعاً بعيداً عن الإسلام العملي ، يتجاذبه خليط فاسد من الأفكار والمعتقدات والتيارات الغربية ، فقام يبني ويصلح ويقوّم ، ويعالج النفوس المريضة ، ويدافع عن القرآن والسنة وعن المذاهب الأربعة ، ويجمع الناس على حب الله وحب الرسول ، ويبيّن لهم أنَّ الصوفية هي خلاصة العبادة ، وأنَّ الصوفي هو الإنسان الصادق في الدين ، وفي الأخلاق والقيم . فانضم إليه عدد كبير ، وكانت تلك النهضة الروحية الإسلامية العلمية في دبي .
لكن ذلك لم يَرُقْ لأعدائه وخصومه إذ كل ذي نعمة محسود ، فتعرّض لكثير من النعوت والسب والفتن والدعايات الكاذبة ، فصبر كثيراً وهو يقول :

لأَستسهلنّ الصعب أو أُدرك المنى       فما انقادت الآمال إلا لصابر

ولم يزده ذلك إلا رفعة وثباتاً على الحق ، وبقي المربي الواعظ الذي يدل الناس على الطهر الجسمي والروحي .
ولا زال على طريقه الذي بدأه ، ولا زالت المعركة مستمرة والنصر له بإذن الله تعالى ، ومَن تمسّك بحبله في هذ الزمان كان مع السفينة الناجية إن شاء الله تعالى .
قد أدهش الناس بشخصيته ، وحيّر مَن حوله بسلوكه .
لا تراه إلا متهلّلاً باسماً ، لا يتأوّه من ابتلاء ، ولا يشكو أمراً .
لا يتحرّك إلا بحكمة ، ولا يسكن إلا عن حكمة .
إذا تكلّم أثّر كلامه في قلوب سامعيه .
وإذا جلستَ بين يديه عشت زمن السلف الصالح بتواضعه ، وليونته ، وروحه الطيبة ، وبسمته الناعمة ، وكرمه الذي لا حدود له ، موائده لا تُرفع ، وناره لا تُطفأ .
كان ولا زال جامعاً لصفات الرحمة والإنسانية ، وللأخلاق المحمدية التي يشهد بها العدو قبل الصديق ، سراجاً منيراً من جميع الوجوه ، عليه من الهيبة والنور ما يعرفه مَن حضر بين يديه .

أجل ، لقد كان الشيخ ولا يزال البحر الخضم الذي لا يدرك ساحله ، والروض الأنيق الذي تتفتح أزهاره ، معطاء بيده ولسانه وإشاراته وبسمته ، ذكرياته وحوادثه كلها عبر وعظات ، ومهما كتبنا وقلنا فلن نستطيع أن نعطيه حقه ، فجزاه الله عنا وعن المسلمين أفضل وأتم وخير الجزاء .  
وما كانت هذه الأسطر سوى قطوف مختصرة من سيرة الشيخ ، علّها تجدد في المسلمين روح الاتباع والتمسك بالكتاب والسنة ، وليعلم الذين وهنوا أنَّ هذه الأمة ستبقى بعون الله تزهو برجالاتها حتى قيام الساعة .
ومَن أراد الاستفاضة أكثر فيستطيع أن يرجع إلى ترجمته الكاملة في مؤلّف خاص .
كما يستطيع الاطلاع على مؤلفاته المعروفة ، وعلى دروسه وخطبه المسجلة ، والتي فيها من النصائح والفوائد والدرر الكثير .
والله نسأل أن يعرفنا قدر الشيخ ، وأن يكرمنا ببركته لنسير على دربه ، ونسلك السلوك الصحيح ؛ لنكون خير خلف لخير سلف .

وصلى الله وسلم على سيدنا محمد النبي الأمي ، وعلى آله وصحبه وسلم ..
والحمد لله رب العالمين ..

;